دعاء الكرب

 لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ .


الحديث

422- عَنْ سَعْدٍ بن أبي وقاص رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلاَّ اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ»، هذا لفظ الترمذي، والحاكم، ولفظٍ لأحمد، والنسائي في الكبرى/55 الترمذي، برقم 3505، والحاكم، 1/505، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير، برقم 3383 /55 .

423- ولفظ أحمد عن سَعْدٍ بن أبي وقاص، قَالَ: مَرَرْتُ بِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فِي الْمَسْجِدِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَمَلأ عَيْنَيْهِ مِنِّي، ثُمَّ لَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ السَّلامَ، فَأَتَيْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَلْ حَدَثَ فِي الإِسْلامِ شَيْءٌ؟ مَرَّتَيْنِ قَالَ: لاَ، وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لاَ، إِلاَّ أَنِّي مَرَرْتُ بِعُثْمَانَ آنِفًا فِي الْمَسْجِدِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَمَلأ عَيْنَيْهِ مِنِّي، ثُمَّ لَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ السَّلامَ، قَالَ: فَأَرْسَلَ عُمَرُ إِلَى عُثْمَانَ فَدَعَاهُ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ لاَ تَكُونَ رَدَدْتَ عَلَى أَخِيكَ السَّلامَ؟ قَالَ عُثْمَانُ: مَا فَعَلْتُ! قَالَ سَعْدٌ: قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: حَتَّى حَلَفَ وَحَلَفْتُ، قَالَ: ثُمَّ إِنَّ عُثْمَانَ ذَكَرَ، فَقَالَ: بَلَى، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، إِنَّكَ مَرَرْتَ بِي آنِفًا، وَأَنَا أُحَدِّثُ نَفْسِي بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لاَ وَاللَّهِ مَا ذَكَرْتُهَا قَطُّ إِلاَّ تَغَشَّى بَصَرِي، وَقَلْبِي غِشَاوَةٌ، قَالَ: قَالَ سَعْدٌ: فَأَنَا أُنْبِئُكَ بِهَا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ لَنَا أَوَّلَ دَعْوَةٍ، ثُمَّ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَشَغَلَهُ، حَتَّى قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَاتَّبَعْتُهُ فَلَمَّا أَشْفَقْتُ أَنْ يَسْبِقَنِي إِلَى مَنْزِلِهِ، ضَرَبْتُ بِقَدَمِي الأَرْضَ، فَالْتَفَتَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: فَقَالَ: «مَنْ هَذَا أَبُو إِسْحَاقَ؟» قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «فَمَهْ؟»، قَالَ: قُلْتُ: لاَ وَاللَّهِ، إِلاَّ أَنَّكَ ذَكَرْتَ لَنَا أَوَّلَ دَعْوَةٍ، ثُمَّ جَاءَ هَذَا الأَعْرَابِيُّ فَشَغَلَكَ، قَالَ: «نَعَمْ دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ هُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: ﴿لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا مُسْلِمٌ رَبَّهُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلاَّ اسْتَجَابَ لَهُ»/55 أحمد، برقم 1462، وحسنه محققو المسند، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير، برقم 3383 /55 . 

424- وفي لفظ للنسائي في الكبرى، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ، أَوْ أُحَدِّثُكُمْ، بِشَيْءٍ إِذَا نَزَلَ بِرَجُلٍ مِنْكُمْ كَرْبٌ، أَوْ بَلاَءٌ مِنَ بَلاَءِ الدُّنْيَا، دَعَا بِهِ فُرِّجَ عَنْهُ؟» فَقِيلَ لَهُ: بَلَى، قَالَ: «دُعَاءُ ذِي النُّونِ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ»/55 النسائي في الكبرى، برقم 10491، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير، برقم 3383 /55 .



مفردات الحديث

1- قوله: «لا إله إلا أنت سبحانك»: إقرار من يونس عليه السلام بكمال الألوهية وأن اللَّه أفعاله كلها خير محض، وأنه المستحق للعبادة وحده، قال الإمام الطبري : «تنزيهاً لك يا رب ، مما أضاف إليك أهل الشرك بك، من الكذب عليك والفِرْية... وإبراء اللَّه عن السوء، وهي  كلمة رضيها الله لنفسه، وهي تنزيهه من كل سوء»/55 انظر: تفسير الطبري، 15/ 30 /55 ، وقال المناوي رحمه الله: «أي: ما صنعتُ من شيء، فلن أعبد غيرك، (سبحانك) تنزيه عن كل النقائص، ومنها العجز، وإنما قاله لأن تقديره سبحانك مأجوراً، أو شهوة للانتقام، أو عجزاً عن تخليصي مما أنا فيه، بل فعلته بحكم الإلهية، وبمقتضى الحكمة»/55 فيض القدير شرح الجامع الصغير، 3/ 134 /55 .

2- قوله: «إني كنت من الظالمين» أي: لأن يونسعليه السلام ترك مداومة قومه، والصبر عليهم، أو في الخروج قبل إذن ربه فنسب الظلم إلى نفسه اعترافًا واستحقاقًا/55 تفسير الجزائري، ص 1085 /55 .

3- قوله: «دعوة ذي النون»: أي دعاؤه وتسبيحه لله عز وجل، قال الفيومي رحمه الله: «دَعَوْتُ اللَّهَ أَدْعُوهُ دُعَاءً ابْتَهَلْتُ إلَيْهِ بِالسُّؤَالِ، وَرَغِبْتُ فِيمَا عِنْدَهُ مِنَ الْخَيْرِ»/55 المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، 1/ 194، مادة (دعو) /55 .

4- قوله: «ذي النون»: اسم نبي اللَّه يونس بن متَّى عليه السلام وإنما أضيف إلى النون الذي هو الحوت الذي ابتلعه قال اللَّه ﻷ: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾/55 سورة القلم، الآية: 48 /55 ، ومتَّى هو اسم أبيه، وليس اسم أمه، قال ابن كثير رحمه الله: «يونس بن متَّى ونَسَبَه إلى أمه، وفي رواية قيل: "إلى أبيه»/55 تفسير ابن كثير، 7/ 38 /55 ، وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ بعَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ قَالَ: «لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّهُ خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ»/55 صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب ذكر النبي ، وروايته عن ربه، برقم 7539 /55 ، وقال الزبيدي رحمه الله: «ذُو النُّونِ: لَقَبُ يُونُسَ بن مَتَّى، على نبيِّنا، وعليه الصلاة والسلام، وقد ذَكَرَه اللَّهُ تعالى في كتابِهِ وسَمَّاهُ كَذلِكَ، لأنَّه حَبَسَه في جَوْفِ الحُوتِ الذي الْتَقَمَه»/55 تاج العروس، 36/ 232، مادة (نون) /55 .

5- قوله: «وهو في بطن الحوت»: وذلك لما ذهب مغاضبًا من قومه قبل أن يأمره اللَّه بالخروج/55 تفسير السعدي، ص 539 /55 ، بعدما رفع اللَّه عن قومه العذاب فأصابه اللَّه بهذا البلاء تطهيرًا له/55 تفسير الجزائري، ص 1085 /55 .

6- قوله: «رجل مسلم»: يشمل الذكر والأنثى، وهذا متكرر في القرآن والسنة.

7- قوله: «في شيء قط»: أي: في أي أمر من الأمور التي أهمته وألمَّت به، قال الصنعاني : «من الأقوال والأفعال»/55 التنوير شرح الجامع الصغير، 6/ 303 /55 .

8- قوله: «إلا استجاب اللَّه له»: فضلًا منه ونعمة، كما فعل سبحانه مع يونس عليه السلام، قال العلامة السعدي : «هذا وعد، وبشارة لكل مؤمن وقع في شدة، وغمٍّ، أن اللَّه تعالى سينجيه منها، ويكشف عنه، ويخفف لإيمانه كما فعل بـ(يونس) عليه السلام »/55 تفسير السعدي، ص 529 /55 ، وقال في موضع آخر: «ولكن بسبب تسبيحه، وعبادته للَّه، نجّاه اللَّه تعالى، وكذلك ينجي اللَّه المؤمنين، عند وقوعهم في الشدائد»/55 تفسير السعدي، ص 707 /55 .



فوائد الذكر

1- فضيلة هذا الدعاء إذا حصل بيقين وإخلاص، وتوكل على اللَّه؛ ولذلك قال اللَّه عز وجل في سياق قصة يونس عليه السلام عندما قال هذا الدعاء: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾/55 سورة الأنبياء، الآية: 88 /55 .

2- بيان توفيق اللَّه ليونس عليه السلام بأن ألهمه هذا الذكر وهو في الظلمات الثلاث: ظلمة بطن الحوت، وظلمة الليل، وظلمة البحر، ولولا أنه كان دائم الذكر والعبودية لربه ما نجَّاه اللَّه من ذلك، وللبث في بطن الحوت إلى يوم البعث كما هو حال فرعون عليه اللعنة، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ، يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ »/55 مسند أحمد، 5/ 19، برقم 2803، ولفظه: «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ب أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا غُلَامُ، أَوْ يَا غُلَيِّمُ، أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِنَّ؟ فَقُلْتُ: بَلَى، فَقَالَ: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ، يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، قَدْ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَوْ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ جَمِيعًا أَرَادُوا أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا»، والحاكم، 3/ 542، والطبراني، 11/123، برقم 11243، والضياء المقدسي، 10/23، برقم 13، وصححه محققو المسند، 5/ 19، والألباني في صحيح الجامع، برقم 2961 /55 .

3- تواضع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وذلك باستشهاده بقول من هو دونه في المرتبة عند اللَّه، ويفهم من هذا أن شرع من قبلنا هو شرع لنا، ما لم يخالف شرعنا.

4- بيان أن دعوة الأنبياء جميعًا هي كلمة التوحيد، وإن اختلف الزمان والمكان؛ ولذا قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «الأنبياء إخوة لعلات/55 هم الإخوة لأب من أمهات شتى أما الإخوة من الأبوين فيقال أولاد أعيان. قاله النووي /55 ، أمهاتهم شتى ودينهم واحد»/55 البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول اللَّه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ مَرْيَمَ إذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أهْلِهَا﴾، برقم 3443 /55 .

5- جاء الثناء على يونس عليه السلام من اللَّه عز وجل في قوله في الحديث القدسي: «لا ينبغي لعبد لي أن يقول أنا خير من يونس بن متى عليه السلام»/55 مسلم، كتاب الفضائل، باب في ذكر يونس بن متى عليه الصلاة والسلام ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى»، برقم 2376 /55  وكذلك قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «لا يقولن أحدكم إني خير من يونس»/55 البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الَّله تعالى: ﴿وإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾، برقم 3412 /55 .

قال النووي رحمه الله: «وهذه الأحاديث تحمل وجهين:

أ- أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك قبل أن يعلمه اللَّه أنه سيد ولد آدم.

ب – أنه قال هذا زجرًا على أن يتخيل أحد من الجاهلين شيئًا من حط مرتبة يونس عليه السلام من أجل ما في القرآن العزيز من قصته/55 انظر: مسلم بشرح النووي، 15/131 /55 ، وقد جاء في فضائله أن قومه آمنوا كلهم، وما آمنت أمة بكاملها إلا قوم يونس، قال اللَّه ﻷ: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ﴾/55 سورة الصافات، الآيتان: 147- 148 /55 .

6- قال الإمام الطيبي رحمه الله: «ومن الأنبياء جماعة لهم اسمان مثل: عيسى والمسيح، وذو الكفل واليسع، ويونس وذو النون، وإبراهيم والخليل، ومحمد وأحمد،عليهم الصلاة والسلام»/55 العلم الهيب، ص 341 /55 .


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بقلــوب مؤمنــة بقضـاء الله وقــدره وببـالـغ الحـزن وعميق الأسـى تلقينا نبأ وفاة الأستاذ/ طلال حسين العديني وبهذه المصاب الجلل نعزي أخوان الفقيد الاستاذ/رمزي حسين العديني و محمد حسين العديني و عبدالله حسين العديني وابناء الفقيد عبدالحميد طلال العديني و اسامه طلال العديني و كافة آل العديني وجميع اقرباء واصدقاء ومحبي الفقيد تغمــده الله بواســع رحمتــه وأسكنـه فسيـح جناتـه عظم الله أجركم وأحسن الله عزائكم وأسأل الله أن يلهمكم الصبــر والسلـــوان إنــا لله وإنـا اليــــه راجعــــــون